كتب د سمير محمد ايوب
من حكاوي الرحيل ( الثامنة عشرة )
يا كُلَّ كُلِّي وأهلي
في رحابِ الحلّاج ، والسَّنا مُفارقٌ ، كنتُ منذ أمدٍ مُتَمدِّدٍ ، قد أرخيتُ رأسيَ المُثْقَلِ ، بين وجنَتَيِّ مِخَدَّتي ، مُتَقلبا ذاتَ اليمينِ وذات الشمال ، في حضنِ الدفء التموزي اللاهب . حين عبثَ بموسيقى صَمتي ، وميضُ حضورِها ، وشذى دهن العود . بَدَّدَتْ عتمَ الليل ، وأكمَلَتْ بِلا استئذان ٍ ، قولاً على قول . كان قد ابتدأ وجهاً لوجهٍ عصراً بيننا . التقتِ العيونُ مُبتسمةً مُتخابثةً . شاغَلَتْني وشاغلْتُها ، في ما يشبه النجوى العَبَثية . تَتلمسُ قبساً من قناديلَ مسروجةٍ ، بالحب والكثير من قِواه الحريريةِ ، ويَقينهِ المَشوبِ بكثيرٍمن قسوةِ الظنِّ الرجراجِ المُتنَقِّل .
قاطعتً عيونَها المُعاتبه : الحبّ يا سيدتي ، فيضٌ جميلٌ حميمٌ ، يتزينُ به العقل والقلب والنفس . ينشأ كبيرا . ويخلص إلى الإتّحادِ والإنصهارِ المُتداخل . ولا يَرى هذا وذاك ، إلّا كل قادرٍعلى منح قلبه ، مَرتبةً أرفعُ من عقله .
قالت باستخفافٍ : أوليسَ هذا ضعفاً أو إستسلاما ؟
قلت : لا بالقطع ، إنّ الحبّ الحقيقيّ تّوازنٌ مرنٌ ، بين عقلٍ ناضجٍ وقلبٍ سليم . به يستنيرالأوّل . ويحيا به الثّاني . فالقلب أبصرُ من العين ومن العقل .
فتساءَلَتْ : وإنْ هَجَرْ ، فَمَنْ لي ساعَتَها ؟
قلت : أعلمُ أن الهجرَ بلا قواعد وبلا طقوس وبلا بروتوكولات . ولكنه ، لا يعني التخلي والفراق . بل إفراغٌ للنفسِ من الذات . فلا كونٌ حيٌّ بعد حُبٍّ مُفارقٍ ، ولا وجودٌ نَشطْ . لا راحة ولا قرة عين . لا عبقٌ سماويٌّ لِعطر . ولا موسيقى لنسائمِ الليلِ والصبح المُبكر . أمّا خِشيةُ العشاق من الهَجْرِ ، فهي خوفٌ مُبرَّرٌ من النكوص إلى حالة الشّقاء ، الّتي كان عليها الإنسان ما قبل فَيْءِ الحُبّ . نحن يا سيدتي بحاجةٍ وجودية ، لمن نستمدّ منه حبّا ننصهر فيه ، حتّى نصبح حبّاً متنقّلاً ، له تضاريس وفصول ، ومفردات ونسائم وبسمات أمل .
قُلْ لي ، ماذا أقولُ له قبل أن يَرْحَل .
أمْسِكي وتشبثي براحتيه . ودعي قلبك مع الحلاج يُدَنْدِنَ لقلبه :
يا أكثري وأقلّي ، لا غِنىً عنك .
إذا هجرتَ فَمْنْ لي؟
ومن يُجَمّلُ كُلُّي؟
ومن لِروحي وراحي ؟
يا كلّ كلّي وأهلي ، إنْ لم تكن لي ، فمن لي عند انقطاعي وذُلّي ؟
ما لي سوى الروح خُذْها ،
فالروحُ جُهدُ المُقلّ .
د.سمير محمد أيوب
الاردن – عمان
18/8/2015م
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق