قصة قصيرة // امتحان الدم
بقلم الاستاذ // صالح هشام
يعود والدي و والدتي من السوق الأسبوعي ، تحمل أمي قفة مملوءة بالموز والتفاح البلدي ،تفاح تتملكني رائحته ! أضع التفاحة في تجويف القلب وأغلق عليها ، وأخوض حربا ضروسا ضد معدتي الأمارة بالسوء !
التفاح والبنان ذهب أو ماس ، عملة نادرة ، يحظى بهما فقط من ابتسم له الحظ ومرض ، أو دخل في غيبوبة الإحتضار ، حتى على فراش الموت فالميت محظوظ ، سيأكل دون غيره التفاح والبنان !
كم كنت أعشق المرض ! المرض مطيتي لحبة موز أو برتقالة أو تفاحة بلدية ، أو شيء من عطف أمي ،دون مرض فأنت لا تساوي حبة بصل ، لا أحد يهتم بك !
نتحلق حول الوالدة ، وقد تخلصت من ثقل القفة ، نوجه لاقطاتنا الهوائية بدقة، نبتغي اقتناص بعض الأخبار القادمة من السوق كالعادة ، يعجبنا اهتمام أمي بتفاصيل أي خبر، فهي لا تخفي حتى الجزء الممل منه :
-حميدة سيحتفل بعرس ابنه هذا الأسبوع !
يدوس أبي على عقب السيجارة بفردة حذائه الثقيل :
-ومن هي عاثرة الحظ هذه ؟
-إنها عويشة ( لمخننة ) المعفونة ، المعتوهة !
يقهقه عاليا، يكاد يستلقي على قفاه ، يشفع ذلك بسعال حاد وبصاق بلون المشيمة :
- ه ه ه ههه ! وافق شن طبقة ، هبيل تزوج هبيلة ، وتهنات المدينة !
تجتر والدتي ما قالته وتعيده مرات كثيرة ، حديثها غير مركز:
ينعتها أبي- ساخرا -بالأسطوانة الصدئة المعطلة !
تحرضنا على انتزاع مكاننا في هذا العرس عنوة وبالقوة !
نحن أيضا سنحظى بحفنة حبيبات من كسكس ، تسبح وسط بركة من مرق لذيذ ، معطر بروائح التوابل !
اللحم عزيز جدا حد الإنعدام ، لا يرضى ببيوت الحرافيش٠٠٠ على مضض
يعتبرونه يسبب انتشار القمل بين المستضعفين ٠ يعز حتى في المناسبات ، فهو نادر ، وباهظ الثمن ،يحظى به الكبار فقط ، أما [نص روح ] فهم أشبه بآكلي الجيفة ، لهم من الفريسة سوى عظيمات قليلة في صحن يعود فارغا تماما من معركة أمعاء وقواطع الكبار!
ننشر الخبر ، فينتشر نارا في كومة قش يابس !
نعقد اجتماعا طارئا، يتزعمه زعيم الجراد ، تحت ضوء القمر في بستان الصبار :
نقرر اقتحام منزل العرس، بالقوة٠
[نص روح] عنصرخلل غير مرغوب فيه ،جراد مدمر،يأتي على الأخضر واليابس!
- ثلاث عيطات شعبية ،تعشش في أدمغتنا وتتملك منا المخاخ ، لكنها تستحق منا المغامرة والمجازفة:
( -خربوشة -حاجتي في قريني - العلوة ) :
عيطات رائعة ، تنتشلنا من البؤس والسذاجة والرتابة ،تتقنها الشيخة[ا لقرعة] أداء ورقصا على القعدة : تتلاعب بردفيها المكتنزين ، وتدك الأرض دكا ، تحت خشخشة حلي وجواهر وأساور ذهبية ، اكتسبتها من الليالي الملاح ، مال الحرام ، تتباهى بها مستفزة ضعف وحرمان بنات الدوار!
هن مسكينات ، ساذجات , جميلات ، لايملكن من هذا إلا تنهيدة و زفرة عميقة ، حظهن عاثر ، لكن لهن شئ من عفة نفس و كرامة و شرف !
حظ أمهاتهن ليس أحسن حالا منهن :
تغصن حتى الأذنين في روائح بول وبراز الرضع ، روائحهن تبعث على الغثيان ، تنفر أزواجهن في المضاجع !
العرس يوم السبت : نجتمع في بستان الصبار ، على أهبة الإستعداد ، ننتظر إشارة بطرف أصبع زعيم الجراد ،لاكتساح منزل العريس كالسيل الهادر، ندبر خطة خطيرة ، تتلف صاحب العرس ، فيعجز عن رد هجومنا الكاسح !
يتحلق أعضاء [فرقة الشيخات ] حول أيقونة الرباعة : [باجلول ] الطعارجي ، المستكرش رحمه الله ، يضع كرشه المكورة كحبة البطيخ أمامه ، ويبالغ في طلب الطعام ، طلباته لا تنقطع ، إطعام فيل من هذا الحجم من بداية الحفل يقلق راحة مسؤولة القدور ،شاع أن المسكين قتلته كثرة الضحك والأكل ، اختل توازن أمعائه فودع الدنيا إلى الأبد !
يسود صمت الصمت ،تخرج كلاب الحراسة عن طوعه ، تقتفي أثرنا ، نتسلل كاللصوص من بستان الصبار ، نتربص ببيت العريس بحذر شديد ، تفضحنا خشخشة الأعشاب اليابسة المتهشمة تحت النعال والأ قدام الحافية٠ تمعن الكلاب في نباح لا ينقطع ، نراوغها، نرشيها ، نجود عليها بشيء ما ، فنكسب ودها : رشوة بسيطة تؤمن لنا الطريق ، نقتحم فتحات الأبواب و النوافد الشبه مغلقة ، يضيع صاحب العرس في متاهات أجساد فاتنة تعانق الفراغ وتلتصق بين السماء والأرض ، وهي تؤدي ميزانا شعبيا رائعا ،يترك المسكين الجمل بما حمل، ينتشي بحموضة كبته ، ويتلمظ ملوحة رغبة دفينة لا تقاوم ٠
نندس بين أجساد الحضور، نسد فراغاتها ، ننتشر في جميع أنحاء صالة الحفل ، فوجودنا في مكان واحد يثير انتباه هذا المخبول [صاحب العرس ] و يحرضه علينا من يطمعون في وده ويتملقونه هذه الليلة !
نتسترخلف الجلابيب و المعاطف الكبيرة ٠ نستمتع نحن أيضا كباقي البشر بمستملحات [باجلول] بوكرش الوقحة ، وهو يناظر الشيخة [القرعة] التي تحسن الغمز واللمز،فهي حفاظة طرائف وغرائب أعراس، ومغامرات ليلية ، فهي من أكثر بنات الليل حنكة وتجربة !
تخيم غيوم كثيفة من الدخان ، يتصاعد إلى السقف ويتسرب عبر الشقوق ، وفتحات الأبواب والنوافد ، تسود نوبات سعال حاد من حين لآ خر ، يتحول المكان إلى سوق شواء وساحة هرج ومرج !
نحن - نص روح - نتلذذ بهذا الدخان ، ونتظاهر بجنون (التبويقة ) نقمع شياطين شغبنا ، لا نرغب في لفت انتباه صاحب العرس ، نحن عناصر خلل ،يمكن التخلص منا في أية لحظة !
ينام الليل ، تهدأ أصوات الصراصير ،يخلد الكلاب إلى الراحة ٠
يأخذ التعب من أفراد الفرقة مأخذه، تناولوا كميات ضخمة من الخمر المغربي المعروف ب ( الروج / بولبادر ) ممزوجا بلفائف الحشيش ،تدخن الشيخات سجائر أنيقة شقراء ، أمريكية الصنع أملا في التميزعن هؤلاء (البوكر/ الخروطو / الحرافيش ) !
تقتل الفرقة بعض الوقت ، تسود الدردشة بين النساء ، يفقدن التحكم في حبالهن الصوتية جراء السكر و تدخين التبغ الأصفر والتعب ،و الجوع :
يرتخي الوتران الصوتيان ، تبح الحناجر ، فيشد الإيقاع الموسيقي عن العادة ، ويختل الأداء ، يصبح فوضى مرتبة حد الملل !
المقدم رجل حاد الطبع ،من علية القوم ، مسؤول عن نظام الحفل ، بصوته الجهوري يطلب من الحاضرين الصلاة على الرسول :
-صلوا على النبي يا سادة ، ما هذا الفتور ، يا با جلول ، هاتينا ما عندك !
نتحول -معشر نص روح - من عفاريت سيدنا سليمان إلى مؤمنين صغار ، نبالغ في الصلاة ،نكتم تلك القهقهات التي تكاد تنط من حناجرنا ،نتفنن في فن النفاق رغم طراوة عودنا : نطمع في درة عطف من المقدم ، علنا نحظى بنصيبنا من طعام العرس كباقي القوم !
يعلن المقدم ، بداية [ا لرواح ] من أجمل طقوس العرس ، يحضرون مولاي السلطان : هذا البليد ، الأرعن ، نحق معرفته ، يسمى (بعيزة ) ونلقبه الديك الرومي :لأن مخاطه كان يتدلى من أنفه مسافة مهوى القرط منه ، يمسحه بكم قميصه المتسخ ويحك قفاه العريضة : علامة خبل و هبل وبلادة ٠
ها هو يأتي وفي حاشيته وزيره (الرويبعة/ عدو الدجاج ،شفار البيض ) سبحان الله !هو أقرب الأصدقاء إليه حتى في البلادة ، كنا نحتقرهما معا ، كنا نسخر منهما ونقول :
-بعيزة والرويبعة :بعرتان تبحثان عن بعضهما في عرض النهر، تلتقيان، فتطلبان المنحدر نحو المجهول !
تتقدم مولاي السلطان فتاتان جميلتان : ترمزان لاستمراية السلالة ، تنثران أمامه ووزيره مسحوق الورد ، وأشياء أخرى النساء أدرى بها و تخص عالمهن المتخن بالشعوذة و أفكار إبليس ، من سحر وجن ، و عين الحسود فيها عود ، يمشي ولا يعود !
الفضيحة هم ثقيل ، يقتل النخوة في النفس ، وقد تمس العروسين معا :
عائلة العريس تخاف على ابنها من العنة المبكرة ، فيصبح أضحوكة أقرانه ، وعائلة العروس تخاف غدر ابنتها في لحظة ضعف بشري خلسة ، في مكان ما
و في زمان ما !
تبدأ الطقوس بضرب البنادير والدفوف وقرع الطبول، تحت ضوء القمر الباهت ،تصدح حناجر الرجال بأهازيج شعبية ، ترددها النساء من وراء الستائر ،وتتخللها زعرودة أخت العريس المبحوحة :
- سير أخويا ٠٠٠سير ٠٠٠سير ٠٠ حوا٠٠لحمير٠٠٠ سير أخويا !
أهازيج تعلن قطيعة حاضر العريس عن ماضيه ، انتقال من العزوبة ، ودخول عالم الرجال !
تستمر عملية الرواح ( الاحتفاء ) في الهواء الطلق لمدة تقصر أو تطول حسب فعالية رفقة العريس ، والقدرة على حفظ مستلزمات [الرواح] من أغان وأهازيج ٠
تحين لحظة الحسم : تقديم العشاء للضيوف ، نبدأ رحلة مكوكية بين الموائد بحثا عن مكان شاغر للعشاء . لا أحد يحب -نص روح - لا أحد يرتاح لهذا الجراد القادم بدون دعوة !
يمسح المقدم المكان بعينيه الجاحظتين ، ويغرز أصابعه في أعيننا التي تكاد تنط منها المسكنة، ويصرخ فينا :
- نص روح ٠٠نص روح ٠٠برا٠٠اخرجوا٠٠اخرجوا٠٠اخرجوا !
يقذف بنا خارج الصالة دون رحمة ،نمارس لعبة الكلاب إلى جانب الكلاب : انتظار الذي يأتي أولا يأتي ، تحلق أنوفنا الصغيرة في الفراغ ، تقتفي أثر روائح الكسكس االشهية التي يعبق بها هذا الخواء !
تأتي أطباق مملوءة تباعا، فتعانق موائد الكبار الشرهين، نتلمظ ، نستلذذ اللاشيء ، نمضغ الروائح ، نلوك الفراغ نعيش حلم اليقظة ، أمعاؤنا توجعنا !
دقائق معدودات ، تأتي الأكف العريضة المتسخة على الأخضر واليابس ، يأتينا ما تبقى من لقيمات كسكس تعوم في مرق بارد ، لكنه لذيذ ،نحن الأطفال لسنا روحا كاملة ، نحن نصف روح !
تقذف الكلاب ببعض العظيمات ، تشتد المناوشات وتجرد القواطع من أغمادها ويحتد الهرير والهسيس والنباح : معارك دموية قاتلة من أجل لاشيء !
نحن أيضا نخوض هذا النوع من المعارك على فتات عاثت فيه الأيادي القذرة والمتسخة فسادا !
تتخم البطون ، تنتهي طواحين الهواء من الدوران ، تنقى الأسنان بأعواد الثقاب ، و تبدأ ثرثرة الشيخات من جديد ، وهن يتهيأن لرقصة الوداع الأخيرة ، تلوح خيوط الفجر ، تطرد جيوش العتمة ، و تداعب نسيمات باردة الوجوه المتعبة ٠
يوشك العرس على النهاية : تنفد السجائر والخمر ، يبدأ رحيل الضيوف ، يختلى مولاي السلطان بلالة لعروسة ، لحظات و تتلقف عائلة العروس سروال ابنتها الملطخ بالدم ، في لهفة وشوق ،بهذا السروال يفندون مزاعم أعداء ، يصطادون في الماء العكر ، تنجح مولاتي في امتحان الدم٠٠الدم ولا شيء غير الدم ، هو شرف العائلة !
يوشح مولاي السلطان هامة أقاربه بوسام الفحولة ، يحمل قربان الشرف في صينية نحاسية ، فوق رأس أخت العروس ، ويبدأ الطواف على منازل الدوار ،لتأكيد نجاح المصونة لالة لعروسة في امتحان الدم !
ننسحب نحن - نص روح - من العرس ،جائعين ، مقهورين ،مذلولين ، نغالب النعاس ،وأهازيج التغني بشرف العروسين ، تدغدغ مسامعنا ،فنحسها بعيدة ٠٠٠بعيدة ٠٠بعيدة ٠٠٠لكنها تثير في نفوسنا التقزز و الشعور بالدونية ، نبتعد عن المكان ،نعرج على بيدرنا ، نرتمي فوق أكوام السنابل ، نروح في سابع موتة ، وجاثوم الجوع يجثم على صدورنا يكاد يخنقنا !
توضيحات :________________________________
_نص روح : نصف روح لقب يطلق على الاطفال في البوادي ايام زمان.
_التبويقة : هذيان المخذرات .
-خربوشة ، حاجتي في قريني ، العلوة ، من الاغاني الشعبية في المغرب
_البنان : الموز
-البوكر / الخوروطو / البيبل هايشر : من شتائم المأزومين
-الروج بولبادر : نوع من المشروبات الروحية .
بقلم الاستاذ : صالح هشام
المغرب الرباط
الاربعاء ١٣ ابريل ٢٠١٦
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق