السبت، 8 يوليو 2017

قصة قصيرة بعنوان { امتحان الدم } بقلم الأستاذ صالح هشام ... المغرب... الرباط

قصة قصيرة // امتحان الدم
بقلم الاستاذ // صالح  هشام 
  يعود والدي و والدتي من السوق الأسبوعي  ، تحمل  أمي قفة مملوءة بالموز والتفاح البلدي ،تفاح تتملكني  رائحته !  أضع التفاحة في تجويف القلب  وأغلق عليها ،  وأخوض حربا ضروسا  ضد معدتي الأمارة بالسوء !
التفاح والبنان ذهب  أو ماس ، عملة نادرة ، يحظى بهما فقط  من ابتسم له  الحظ ومرض ، أو دخل في غيبوبة الإحتضار ، حتى على فراش الموت فالميت  محظوظ  ، سيأكل دون غيره  التفاح والبنان !
كم كنت أعشق  المرض ! المرض مطيتي  لحبة موز أو برتقالة أو تفاحة بلدية ،  أو شيء من عطف أمي ،دون مرض فأنت لا تساوي حبة بصل ، لا أحد يهتم بك !
نتحلق حول الوالدة ، وقد تخلصت من ثقل القفة ،  نوجه لاقطاتنا الهوائية بدقة، نبتغي اقتناص بعض  الأخبار القادمة من السوق كالعادة ، يعجبنا اهتمام  أمي  بتفاصيل أي خبر،  فهي لا  تخفي حتى الجزء  الممل منه  :
-حميدة سيحتفل  بعرس ابنه هذا الأسبوع !
يدوس أبي على عقب السيجارة بفردة حذائه الثقيل :
-ومن هي عاثرة  الحظ هذه  ؟
-إنها عويشة ( لمخننة ) المعفونة ، المعتوهة !
يقهقه  عاليا، يكاد يستلقي على قفاه ، يشفع ذلك بسعال حاد وبصاق  بلون المشيمة   :
- ه ه ه ههه !  وافق شن طبقة  ، هبيل تزوج هبيلة ، وتهنات المدينة  !
تجتر  والدتي ما قالته وتعيده مرات كثيرة ، حديثها غير مركز:
ينعتها أبي- ساخرا -بالأسطوانة الصدئة  المعطلة ! 
تحرضنا على انتزاع مكاننا  في هذا العرس  عنوة وبالقوة  !
نحن أيضا سنحظى بحفنة حبيبات  من  كسكس ، تسبح وسط بركة من  مرق  لذيذ ، معطر بروائح  التوابل !
  اللحم عزيز جدا حد الإنعدام  ، لا يرضى ببيوت الحرافيش٠٠٠  على مضض
يعتبرونه  يسبب انتشار القمل بين المستضعفين ٠  يعز حتى في المناسبات ، فهو نادر ، وباهظ الثمن  ،يحظى به الكبار فقط ، أما [نص روح ] فهم أشبه بآكلي الجيفة ، لهم من الفريسة سوى  عظيمات قليلة  في  صحن يعود  فارغا تماما   من معركة أمعاء وقواطع الكبار!
ننشر الخبر ، فينتشر نارا  في كومة  قش يابس !
نعقد اجتماعا طارئا، يتزعمه زعيم الجراد ، تحت ضوء القمر في بستان  الصبار :
نقرر اقتحام منزل  العرس، بالقوة٠
[نص روح] عنصرخلل  غير مرغوب فيه ،جراد مدمر،يأتي على الأخضر واليابس!
- ثلاث عيطات شعبية  ،تعشش في  أدمغتنا وتتملك  منا  المخاخ ، لكنها  تستحق منا المغامرة والمجازفة: 
( -خربوشة -حاجتي في قريني - العلوة ) :
عيطات رائعة ، تنتشلنا من البؤس والسذاجة والرتابة ،تتقنها الشيخة[ا لقرعة]   أداء  ورقصا على القعدة :   تتلاعب  بردفيها المكتنزين ، وتدك الأرض دكا ، تحت خشخشة حلي وجواهر  وأساور ذهبية ، اكتسبتها من الليالي الملاح ، مال الحرام  ،  تتباهى بها مستفزة  ضعف وحرمان  بنات الدوار!
هن مسكينات  ، ساذجات  ,  جميلات  ، لايملكن  من هذا إلا  تنهيدة  و زفرة  عميقة ، حظهن عاثر ، لكن  لهن شئ من عفة نفس  و كرامة و  شرف !
حظ أمهاتهن  ليس أحسن حالا منهن :
تغصن  حتى الأذنين  في  روائح بول وبراز الرضع ، روائحهن تبعث على الغثيان ، تنفر أزواجهن في المضاجع  !
  العرس يوم  السبت : نجتمع   في بستان الصبار ، على أهبة الإستعداد  ، ننتظر إشارة بطرف أصبع زعيم الجراد ،لاكتساح منزل  العريس كالسيل الهادر،  ندبر خطة  خطيرة ، تتلف صاحب العرس ، فيعجز عن رد هجومنا  الكاسح !
يتحلق أعضاء  [فرقة الشيخات ] حول أيقونة  الرباعة : [باجلول ] الطعارجي ، المستكرش رحمه الله ، يضع كرشه المكورة كحبة البطيخ أمامه  ، ويبالغ في  طلب الطعام ، طلباته لا تنقطع ،  إطعام  فيل من هذا الحجم من بداية الحفل يقلق راحة مسؤولة القدور ،شاع  أن المسكين  قتلته كثرة الضحك  والأكل ، اختل توازن أمعائه فودع الدنيا  إلى الأبد  !
يسود صمت  الصمت ،تخرج  كلاب الحراسة  عن طوعه ،  تقتفي أثرنا ،  نتسلل كاللصوص من بستان الصبار ، نتربص ببيت العريس بحذر شديد  ، تفضحنا  خشخشة الأعشاب اليابسة المتهشمة  تحت النعال والأ قدام  الحافية٠ تمعن الكلاب في نباح  لا ينقطع  ، نراوغها، نرشيها ،  نجود عليها بشيء ما ، فنكسب ودها : رشوة بسيطة تؤمن لنا   الطريق ، نقتحم  فتحات الأبواب  و النوافد الشبه مغلقة ، يضيع صاحب العرس  في متاهات أجساد فاتنة  تعانق  الفراغ  وتلتصق بين السماء والأرض ، وهي تؤدي ميزانا شعبيا رائعا  ،يترك  المسكين الجمل بما حمل، ينتشي  بحموضة كبته ، ويتلمظ ملوحة رغبة دفينة لا تقاوم  ٠
نندس بين أجساد الحضور، نسد  فراغاتها ،  ننتشر  في  جميع أنحاء  صالة الحفل ، فوجودنا  في مكان واحد يثير انتباه  هذا المخبول [صاحب العرس ]  و يحرضه علينا من يطمعون في وده  ويتملقونه هذه الليلة  !
نتسترخلف  الجلابيب و المعاطف الكبيرة  ٠ نستمتع  نحن أيضا كباقي البشر بمستملحات [باجلول] بوكرش  الوقحة ، وهو يناظر  الشيخة  [القرعة]  التي  تحسن الغمز واللمز،فهي  حفاظة طرائف وغرائب أعراس،  ومغامرات ليلية ،  فهي من أكثر بنات الليل حنكة وتجربة !
تخيم غيوم كثيفة  من الدخان ، يتصاعد إلى السقف ويتسرب  عبر  الشقوق ، وفتحات الأبواب والنوافد ،  تسود نوبات  سعال حاد من حين لآ خر ، يتحول المكان  إلى سوق شواء  وساحة هرج ومرج !
نحن - نص روح - نتلذذ  بهذا الدخان ، ونتظاهر  بجنون  (التبويقة )  نقمع شياطين شغبنا ، لا نرغب  في  لفت  انتباه صاحب العرس ، نحن عناصر خلل ،يمكن التخلص منا في أية لحظة !
ينام الليل ، تهدأ أصوات الصراصير ،يخلد الكلاب  إلى الراحة  ٠
يأخذ التعب  من أفراد  الفرقة  مأخذه، تناولوا  كميات  ضخمة  من الخمر المغربي المعروف ب  ( الروج /  بولبادر ) ممزوجا  بلفائف الحشيش ،تدخن الشيخات سجائر أنيقة شقراء ، أمريكية الصنع   أملا  في التميزعن  هؤلاء (البوكر/ الخروطو / الحرافيش  ) !
تقتل الفرقة بعض الوقت ،  تسود الدردشة بين النساء ،  يفقدن التحكم في حبالهن الصوتية جراء السكر و تدخين التبغ الأصفر  والتعب ،و الجوع  :
يرتخي الوتران الصوتيان  ، تبح الحناجر ، فيشد الإيقاع الموسيقي عن العادة ، ويختل الأداء  ، يصبح فوضى مرتبة  حد الملل !
المقدم  رجل حاد الطبع ،من علية القوم ، مسؤول عن نظام الحفل ، بصوته الجهوري يطلب من الحاضرين الصلاة على الرسول :
-صلوا على النبي يا سادة ، ما هذا الفتور ، يا با جلول ، هاتينا ما عندك !
نتحول  -معشر نص روح - من عفاريت سيدنا سليمان  إلى مؤمنين صغار ، نبالغ في الصلاة  ،نكتم تلك القهقهات التي تكاد تنط من حناجرنا ،نتفنن في فن النفاق  رغم طراوة عودنا  : نطمع في درة عطف من المقدم ، علنا نحظى بنصيبنا من طعام العرس  كباقي القوم  !
يعلن المقدم ، بداية [ا لرواح  ] من أجمل  طقوس  العرس ،  يحضرون  مولاي السلطان  : هذا البليد ، الأرعن ،  نحق معرفته  ، يسمى (بعيزة ) ونلقبه  الديك الرومي :لأن مخاطه كان يتدلى من أنفه مسافة  مهوى القرط منه ، يمسحه بكم قميصه المتسخ  ويحك  قفاه العريضة  : علامة خبل و هبل وبلادة  ٠
ها هو  يأتي وفي حاشيته وزيره (الرويبعة/ عدو الدجاج ،شفار البيض )  سبحان الله !هو  أقرب الأصدقاء إليه  حتى في البلادة ، كنا نحتقرهما معا ، كنا نسخر  منهما ونقول :
-بعيزة والرويبعة :بعرتان تبحثان عن بعضهما في عرض النهر، تلتقيان، فتطلبان المنحدر نحو  المجهول  !
تتقدم مولاي السلطان  فتاتان جميلتان :  ترمزان لاستمراية السلالة ، تنثران  أمامه  ووزيره مسحوق الورد ، وأشياء أخرى النساء  أدرى بها و تخص عالمهن  المتخن  بالشعوذة و أفكار إبليس ، من سحر وجن ،  و عين الحسود فيها عود ، يمشي ولا يعود !
الفضيحة هم  ثقيل ، يقتل النخوة في النفس  ، وقد تمس  العروسين معا :
عائلة العريس  تخاف على ابنها من العنة المبكرة ،  فيصبح أضحوكة أقرانه ، وعائلة العروس تخاف غدر ابنتها في  لحظة ضعف بشري  خلسة ، في مكان ما
  و في زمان ما !
تبدأ الطقوس بضرب البنادير والدفوف   وقرع الطبول،  تحت ضوء القمر الباهت  ،تصدح حناجر الرجال بأهازيج شعبية  ، ترددها النساء من وراء الستائر ،وتتخللها  زعرودة  أخت العريس  المبحوحة  :
- سير أخويا ٠٠٠سير ٠٠٠سير ٠٠ حوا٠٠لحمير٠٠٠ سير أخويا !
أهازيج تعلن  قطيعة حاضر العريس عن  ماضيه ، انتقال من العزوبة  ، ودخول عالم  الرجال !
تستمر عملية الرواح ( الاحتفاء ) في الهواء الطلق  لمدة  تقصر أو تطول حسب فعالية رفقة العريس ، والقدرة على حفظ مستلزمات [الرواح] من أغان وأهازيج ٠
تحين  لحظة الحسم : تقديم العشاء للضيوف ، نبدأ رحلة  مكوكية  بين الموائد بحثا عن مكان شاغر  للعشاء  . لا أحد يحب -نص روح  - لا أحد يرتاح  لهذا الجراد  القادم بدون  دعوة  !
يمسح  المقدم المكان بعينيه  الجاحظتين ، ويغرز أصابعه   في أعيننا التي تكاد تنط منها المسكنة،  ويصرخ فينا :
- نص روح ٠٠نص روح  ٠٠برا٠٠اخرجوا٠٠اخرجوا٠٠اخرجوا !
يقذف بنا خارج الصالة دون رحمة  ،نمارس لعبة الكلاب  إلى جانب الكلاب : انتظار الذي يأتي أولا يأتي ،  تحلق أنوفنا الصغيرة في  الفراغ ، تقتفي أثر  روائح الكسكس االشهية التي  يعبق بها هذا الخواء ! 
تأتي  أطباق  مملوءة  تباعا، فتعانق موائد الكبار الشرهين، نتلمظ ، نستلذذ اللاشيء ،  نمضغ الروائح  ، نلوك الفراغ  نعيش حلم اليقظة ، أمعاؤنا  توجعنا !
دقائق معدودات ، تأتي  الأكف العريضة المتسخة  على الأخضر واليابس ، يأتينا  ما تبقى من  لقيمات  كسكس تعوم في  مرق بارد ، لكنه لذيذ ،نحن  الأطفال لسنا روحا كاملة ، نحن  نصف روح ! 
تقذف الكلاب ببعض العظيمات ، تشتد  المناوشات  وتجرد القواطع من أغمادها ويحتد الهرير والهسيس  والنباح  :  معارك دموية قاتلة  من أجل لاشيء !
نحن أيضا  نخوض هذا النوع من  المعارك على فتات  عاثت فيه  الأيادي القذرة والمتسخة فسادا !
تتخم البطون ، تنتهي طواحين الهواء من الدوران  ، تنقى الأسنان بأعواد الثقاب ، و تبدأ  ثرثرة الشيخات من جديد  ، وهن يتهيأن  لرقصة  الوداع  الأخيرة ، تلوح  خيوط الفجر ، تطرد جيوش العتمة ، و تداعب  نسيمات  باردة  الوجوه المتعبة  ٠
يوشك العرس على النهاية  : تنفد السجائر  والخمر ، يبدأ  رحيل الضيوف ، يختلى مولاي السلطان  بلالة لعروسة ، لحظات  و تتلقف عائلة العروس سروال ابنتها  الملطخ بالدم ،  في لهفة وشوق ،بهذا السروال  يفندون مزاعم أعداء  ، يصطادون في الماء العكر ، تنجح مولاتي في  امتحان الدم٠٠الدم ولا شيء غير الدم ، هو شرف العائلة !
يوشح مولاي السلطان هامة أقاربه بوسام الفحولة ، يحمل قربان الشرف  في صينية  نحاسية ، فوق رأس أخت العروس ، ويبدأ الطواف على منازل الدوار ،لتأكيد نجاح المصونة لالة لعروسة  في امتحان الدم  !
ننسحب نحن - نص روح - من العرس ،جائعين  ، مقهورين ،مذلولين  ، نغالب  النعاس  ،وأهازيج التغني  بشرف العروسين ، تدغدغ مسامعنا ،فنحسها  بعيدة ٠٠٠بعيدة ٠٠بعيدة ٠٠٠لكنها  تثير في نفوسنا التقزز و الشعور بالدونية ، نبتعد  عن المكان ،نعرج على  بيدرنا ، نرتمي فوق أكوام السنابل ، نروح في سابع موتة ، وجاثوم الجوع يجثم على صدورنا  يكاد يخنقنا  !

توضيحات :________________________________
_نص روح : نصف روح لقب يطلق على الاطفال  في البوادي ايام زمان.
_التبويقة : هذيان المخذرات .
-خربوشة ، حاجتي في قريني ، العلوة ، من الاغاني الشعبية في المغرب
_البنان : الموز
-البوكر / الخوروطو / البيبل هايشر : من شتائم المأزومين
-الروج بولبادر : نوع من المشروبات الروحية .

بقلم الاستاذ : صالح هشام
المغرب الرباط
الاربعاء ١٣ ابريل ٢٠١٦

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق