لم تهيئ مشاعرك للحب
لأنك لم تهيئ مشاعرك للحب كما ينبغي
في زماننا هذا، صار الحب ثمرة قصيرة العمر، سريعة الفســاد، تنضج من الخارج وقلبها لم يستوِ بعد، فتبدو أمام عينيك بهية المنظر، وحينما تلتهمها تجدها بلا مذاق و بلا نكهة.
إنها الهندســة الوراثيــة التي طالت كل شيء، كل ما حولك تغير تكوينه، كل شيء تغير لدينا تعريفه، حتى الحب طاله الحقن بالهرمونات.
وكيف لك أن تمهله مزيداً من الوقت لينمو بداخلك وكل ما حولك يعدو ويقفز؟
لم يعد الحبر يباع ليملأ مِداده سطور الشوق.
ما عادت الطوابع تُشترى لتختمها ألسنـة العشاق.
ما عادت "شكراً ساعي البريد" تُكتب على المظروف لأن ما من رسائل شوق صارت تُرسل بالبريد، وما من قلق صار يعتري راسليها إن كانت ستصل أو تضل الطريق. فلم يعد ساعي البريد يخزه الذنب بألا يسلم ما يحمله من رسائل بأسرع وقت لأصحابها، فربما في تأخيره تموت قصص حب ويتبدل مسار أخرى.
كـانت لبدائية وسائل الزمن الماضي دورٌ في تهيئة البيئــة الخصبــة لينمو الحب على مهل ولينضج على نار هادئـة فكل شيء لا يعادي الوقت وينازلـه كما اليوم.
كان في صعوبــة وسائل الإتصال شيء من الرومانسيــة، حينما يتصل حبيبك بك وقبل أن تقول له مرحباً -دون أن يخبرك- تكون على يقين كم تكبد من عناء نظير مكالمة كهذه، كم دفعت أقدامه من خطوات مشتها من أجلك حتى وجد كابينــة هاتف تعمل. و أي مدة انتظرها لأجلك حتى خلت طوابير مستخدميهــا.
تستمع لصوته ولكلماته بشوق كبير ويحادثك بلسانه ويده بالعملات المعدنيــة تغذي مكالمــة حبه القصيرة إليك. أي وسيلة حب أفضل من هذه؟
لم يتقاعد ساعي البريد وحده، فقد أحيلت للتقاعد زهور المروج. بلغة الأرقام لم تعد تعني أكثر من هدية رمزية إذا تعذر شراء الهدايــا الثمينة.
لم تعد الزهور تشارك الأموات وحدتهم ولا المرضى آلامهم. ما عادت تُهدى إلينا لتقاسمنا حصتنا من الهموم و تزيد من حصة أفراحنا. فقدت عملها كوسيط يصالحنا على من نحب. وسيط كان يختزل الكثير من كلمات الاعتذار والغفران بلون زاه وعطرِ يفوح.
ما عادت أشواك الزهور تُدمي أصابع عمال الحقول، لأن ما من زهور صارت تزرع في بلد الزهور، استبدلت زراعتها بالبرسيم ونباتات العلف. تغذيــة الحيوانــات مُربحـة أكثر وتدر عائدا أكبر من تغذيــة القلوب.
صرنا نستوردهــا من الخارج، من بلاد وظفت البحث العلمي والهندسـة الوراثيـة لاستزراع الزهور لأن مناخها البارد لا يلائم نموها، فتفتحت سلالات جديدة من الزهور التي كنا نعرفها، أشبه بتلك التي كانت تنبت بأرضنا وكل صباح تُجمع وتُنقل لتعرض في سلال محال الزهور بشوارعنا.
عادت للوطن محمولة في باقات، وفي بيوته وضعت في المزهريات، ولكنها ما عادت تفوح وتملأ أجوائه بعِطرها، فرغم نشأتها بعيداً عن الوطن واحتفاظها ببهائها كما كانت فيه، ومنحها عمراً أطول كما لم تكن فيه، صارت مسلوبة العِطر كما لم نعهدها من قبل. ولا يزال العِلم عاجزاً عن أن يمنحها عِطراً لا يجود به الوطن سوى لزهوره التي تنمو بأرضه وتتنفس هواءه.
.
أضاعت الحداثــة الكثير من نكهـة الحب ومذاقه، قربت المسافات وسهلت وسائل الاتصال وصنعت من الحب عدة قوالب متاحة للجميع بلمسة زر، اختر منها ما يروق لك دون جهد أو تعب وتكبد عناء الصبر والإنتظار لوقت أطول.
كل شيء تم اختزاله حتى صار الحب أشبه بقهوة سريعــة التحضير، يُرتشف سريعاً، ويُهضم سريعاً دون أن تشعر بنكهـة البن الذي كانت تقطفه من الأشجار أيادي فتيات البرازيــل. لم تعد تشعر بلفحــة النار وهي تحمصه، ولا بالجهد الذي يتكبده الطحان العجوز وهو يدير ذراع الطاحونة كي يطحنــه لك، فما عادت رائحته النفاذة تداعب أنفك كما كان في طفولتك عندما تمر بشارع ودون أن تراه تخبرك رائحته المميزة أن في هذا الشارع يوجد مطحنة للبن.
ومثلما لم تعد تتلذذ بفنجان القهوة، وتروق إليك الزهور المستوردة، وتنتشيك قراءة رسالة حب على البريد الإلكتروني، لم يعد الحب يثير شجونك ويزلزل كيانك ويغير صفاتك ويبدل فيهـا. لم يعد يستوطن قلبك ولا يفارقه متى بقيَّ بين الضلوع قلباً حياً ينبض.
لماذا؟ لأنك يا سيدي ببساطة لم تهيىء مشاعرك للحب كما ينبغي ويستحق منك الحب.
جمال أبوريا...
فلسطين سخنين
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق