الأحد، 9 أكتوبر 2016

مقالة نقدية بقلم الأستاذ هشام صالح.....المغرب/الرباط

مقالة نقدية 
[أكذوبة تعليم القصة القصيرة والشعر ]
عجبت أيما عجب ، وأنا أتجول بين أعمدة منتديات الأزرق بعد أن   أقتنصت منشورا يتعلق  بكيفية تعليم كتابة القصة القصيرة والشعر ، فتساءلت : ، كيف لهؤلاء أن يعلموا  غيرهم كتابة القصة القصيرة والشعر؟! قلت في نفسي ، ربما تحول فن القصة القصيرة والشعر حرفة من الحرف اليدوية التي تتعلم في مراكز التكوين الحرفي !
استحضر قصة حدثت لي مع أحد الذين يعتبرون  أنفسهم نقادا ، عندما مر على نص من نصوصي  ، فكتب لي تعليقا ، مفاده [عليك أن تتعلم كتابة القصة القصيرة قبل النشر ]، وبعفوية أجبته :
- كيف لي يا أستاذ أن أتعلم كتابة القصة القصيرة ؟! فهل هذا الفن المعقد مادة تعلم في المدارس ؟!
وأستحضر قصة أخرى حدثت لطالب معنا في صفوف كلية الآداب :  طرح أستاذ الأدب العباسي سؤالا طريفا  :
-هل كلنا شعراء ؟
فأجابه أحد الطلبة :
- نعم يا أستاذ كلنا شعراء !
فرد الأستاذ بانفعال ملحوظ :
- وكيف ذلك يا هذا ؟
أجابه الطالب :
-نعم كلنا شعراء ، لأننا نشعر !
فاستشاط الأستاذ غضبا ، وطرد الطالب خارج صفوف الدرس ! فمن منهما كان على صواب ؟!  ومن منهما كان على خطأ ؟! ، فالأستاذ ، اعتقد أن الطالب يسخر منه ، والطالب أجاب عن السؤال بكل عفوية ، ولكن بدقة ، فقد انطلق من اعتبار الشعر نابعا من الإحساس ، ومن الشعور ،و هو خاصية ، في الإنسان لكن يختلف التعبير عن هذا الشعور من شخص لآخر : لا نعبر كلنا عن أحاسيسنا بالشعر ،ولا وننقلها دائما للمتلقي شعرا ، فقد ننقله له  قصة أو شعرا أو نحتا أو إيقاعا أو رسما أو ننقلها له من خلال  كلام عاد وحتى بالإشارات فلا يضطر القاريء  إلى توظيف الفكر ، وشحذ الذاكرة من اجل فتح مستغلق أو تفكيك رمز أو حل شفرة ! يمكن أن نتساوى في امتلاك الإحساس و في امتلاك الشعور ، لكن نختلف في  وسائل التعبير ، ولعل هذا الاختلاف في التعبير عن الشعور هو سبب هذا التنوع الكبير من وسائل التعبير عبر مر العصور والاجيال من عصر الأسطورة إلى العصر الحديث  !
لكن هل يمكن أن نتعلم كتابة الشعر والقصة في ورشات ، كما تتعلم قواعد  {مالا ينصرف } مثلا أو { حملة نابليون على مصر} ، أو {إحراق نايرون روما} ، هذه معارف يمكن أن تتعلم لكن بالنسبة للقصة أو الشعر ، فقد نتعلم القواعد والمقومات ، والتقنيات العامة ، لأنها  تبقى في متناول الجميع ، على المستوى النظري ، أما على مستوى التطبيق ، فإن ذلك يبقى بعيد المنال ، كان على من ينظم  ورشة لتعليم القصة و الشعر أن يوظف كلمة  صقل المهارات ، والصقل يختلف اختلافا كبيرا عن التعلم ، لأن الصقل يقصد به شحذ الذاكرة بالمعارف ،في مجال الأدب لكن هذا يبقى قاصرا عن تحقيق الهدف المتوخى ، في حال عدم توفر الموهبة ، والقابلية للكتابة في هذا المجال أو ذاك ،وعندما نريد تعليم قول الشعر أو القصة ، فإننا نقوم بعملية إجهاض للجنين لأننا نحرق جميع مراحله من سقوطه نطفة في رحم الذاكرة إلى مرحلة التكوين إلى مرحلة المخاض إلى مرحلة الاكتمال والظهور ، فقد نتعلم التتقنيات والقواعد ، لكن هل بإمكاننا تعليم تلك الخصائص النفسية للكاتب والتي تعتبر إكسير الحياة بالنسبة لميلاد النص ، والتي نجملها في [الإلهام ]، و[التخييل] ، و[الانفعالات] ، و[الاعلاء] بمفهوم فرويد ، فهل نشتري من السوبرماركت لهؤلاء الذين نعلمهم ربة الشعر  كما يسميها هوراس ، أو نقتني لهم  شيطان وادي عبقر/  العرب من أي محل كما لو اشترينا علبة لطفل صغير !
الإلهام ، خاصية ،يتفرد بها كل شخص تبعا  للتربة التي اقتات من نباتها والماء الذي شرب منه، وتبعا للخلفية الثقافية ، والتاريخية ولا ننسى المخزون المعرفي ، العالق بجدار الذاكرة كالجنين الراقد الذي ينتظر أن يستدعيه  السياق المناسب إلهاما وتداعيا !
أبو نواس ، استأذن خلفا لقول الشعر ، لكنه لم يعلمه قول الشعر ، بل أمره أن يحفظ كما هائلا من الأشعار ، وعندما حفظها أمره أن ينساها وعندما نسيها قال له :
- الآن آذن لك بقول الشعر !
ان لفي هذه الوصفة السحرية  درسا  لكل من يعتقد أن الشعر يتعلم (بضم ياء المضارعة ) فالشاعر أو القاص أو الرسام يكون بمثابة التوأم السيامي يكون حالة استثنائية تقع مرة في حقب زمنية متباعدة  ، وليس قاعدة ، أضف إلى ذلك عنصر{ التخييل} ، فهو ليس وحيا ينزل من السماء وإنما تتحكم فيه  مجموعة من العوامل ، التي تكون شخصية  الإنسان ، فهو بمثابة بصمات  اليد كلها تتشابه ولا بصمة تشه الأخرى  ونعرف أن ديدن الإبداع الأدبي هو التخييل  وأما {الانفعال} فيعتبر من أبرز العوامل المساعدة على الإبداع - إن لم نقل عموده الفقري -وهو لا يتعلم في ورشات كما يعتقد البعض  ، فالانفعال ، لابد وأن تتوفر له مجموعة من الشروط  ،والحوافز ، وبدونها لا انفعال وبالتالي لا إبداع ، وأعتقد أن النقاد العرب قد تطرقوا إلى هذه الخاصية ، وقد لخصها "أرطأة بن سهية "في ثلاثة عناصر أوأربعة ، نذكر منها {الغضب} و{الطرب} و{الشرب} ، هذه انفعالات تساعد على الإبداع ، أن تغضب من واقع متخن بالجراح ، وتنظم قصيدة تؤدي بك إلى حبل المشنقة ، أو تطرب ،وما أكثر المواقف التي تدعو إلى الطرب ، أو كذلك الشرب ، أي وسائل الإقلاع القصري عن الواقع المعيش ، فهل يمكن أن نعلم الإنسان كيف يطرب أو يغضب أو يشرب ، والله إنه العبث ، إننا نعلم كتابة القصة مثلا من حيث القواعد والتقنيات ونترك المتعلم  يدبر أموره وفق موهبته وإلهامه وطربه وغضبه وشربه ، معتمدا على قدراته على التخييل ، وهذه أمور نفسية لا علاقة لها بالورشات أو المدارس ، كالعوام نعلمه مباديء السباحة ونقذف به في بحر متلاطم الأمواج ، وما عليه إلا أن يدبر أموره إذا أراد النجاة بجلده !
  فالابداع لا يتعلم في ورشات أو في فصول الدراسة ، وعلينا أن نفرق بين تعلم المباديء والأسس والقدرة على الإبداع ، أي الموهبة التي تعتبر كفلتات الزمن ، وهذا حال العباقرة عبر التاريخ من هوميروس إلى شكسبير إلى السياب إلخ ، فقد لا يلد الزمن مثلهم أبدا !
نخلص إذن إلى تعليم الإنسان كيف يشحد موهبته من خلال الإدمان على القراءة لعباقرة الشعر والقصة ،والرواية ، وما عدا ذلك فضباع تدور في فلك هؤلاء الكبار ، صف لهم وصفة خلف لأبي نواس ، ولا تجبرهم على أن يتقمصوا إلهامك وانفعالك وأن يركبوا خيالك ويطربوا طربك ويغضبوا غضبك ويشربوا شربك ،وأعتقد أنه لا يجب أن نخلط المفاهيم !

بقلم :الأستاذ.هشام صالح
المغرب/الرباط

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق